محمد جمال الدين القاسمي

434

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الأذكار للنوويّ ) وممن جمع زبدة ما روى فيها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ( زاد المعاد ) . وقال في طليعة ذلك : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل . بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه . وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله . وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرا منه له . وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه ذكرا منه له . وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرا منه له . وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه . فكان ذكر الله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله . وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا ، وعلى جنبه ، وفي مشيه وركوبه ومسيره ، ونزوله وظعنه وإقامته . انتهى . وأما الأذكار المحدثة والسماعات المبتدعة ، سماع الكف والدف ، فلم يكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، وسائر الأكابر من أئمة الدين ، يجعلون هذا طريقا إلى اللّه تبارك وتعالى . ولا يعدّونه من القرب والطاعات بل يعدونه من البدع المذمومة . حتى قال الشافعيّ : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ( التغيير ) يصدّون به الناس عن القرآن . وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك . ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبا وافرا . ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم . ومن كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله ، كان نصيب الشيطان فيه أكثر . فسماع الغناء والملاهي من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية . وهو سماع المشركين . قال الله تعالى : وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [ الأنفال : 35 ] ، قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ، وغيرهما من السلف : التصدية ، التصفيق باليد . والمكاء مثل الصفير . فكان المشركون يتخذون هذا عبادة . وأما النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر نحو ذلك ، والاجتماعات الشرعية . ولم يجتمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه على استماع غناء قط . لا بكف ولا بدف ولا تواجد وكان أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذا اجتمعوا ، أمروا واحدا منهم أن يقرأ . والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول لأبي موسى الأشعريّ : ذكرنا ربنا . فيقرأ وهم يستمعون . ومر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له « 1 » : مررت بك

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 236 ونصه : عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي موسى « لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة ، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود » . وقال الحافظ في الفتح عند الكلام على الحديث 2097 ما نصه : كذا وقع عنده مختصرا من طريق بريد . وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ ( وساق نصه ، كما أمر ) .